في كل عائلة بيتٌ قديم لا يسكنه أحد، لكنه يحضر على كل مائدة. "كان الحيّ أطيب"، "أيام زمان"، "ما عاد الناس كما كانوا". هذا الوطن لا يحتاج إلى جواز سفر، ولا يظهر على أي خريطة، ومع ذلك يشتاق إليه كثيرون. فلماذا نعود إلى ماضٍ لا يمكن العودة إليه؟ وماذا يفعل هذا الشوق بذاكرتنا حين نتقاسمها مع غيرنا؟
شوقٌ وُلد في الغربة
في عام 1688، كتب طالب طب سويسري شاب اسمه يوهانس هوفر أطروحة عن جنود بلاده المرتزقة الذين ذبلوا في الغربة من فرط اشتياقهم لبيوتهم. ولأنه لم يجد اسمًا لما يصيبهم، صنع كلمة من جذرين يونانيين: nostos أي العودة، وalgos أي الألم. هكذا وُلدت "النوستالجيا"، ألمُ العودة.
ظلّ الأطباء زمنًا يعاملونها كمرض، ثم تبيّن أنها شيء آخر. فحين سأل الباحثون الناس في ثقافات مختلفة عمّا يعنيه الحنين، وصفوه ذكريات دافئة، يكون فيها الإنسان بين أحبّته، في عرس أو سفرة أو لمّة. وتبيّن أن مذاقه أقرب إلى الحلاوة منه إلى المرارة. ليس الحنين علّة تُعالج، بل لغة نتكلمها جميعًا.
ذاكرة لا نحملها وحدنا
اجلس مع إخوتك واسألهم عن رحلة قديمة. سيروي كل واحد نسخته، وسيتذكر أحدكم تفصيلة نسيتَها، وستتغير الصورة في رأسك قليلًا. هذا بالضبط ما رآه عالم الاجتماع الفرنسي موريس هالبواكس: أن ذاكرتنا لا تعمل في عزلة، فنحن نتذكر داخل العائلة والحيّ والدين والطبقة، ولكل جماعة ذاكرتها التي تنتقي منها وتُهمل.
وأضاف المؤرخ بيير نورا أننا صرنا نبني المتاحف والنُّصب ونحتفل بالذكريات الكبرى لأن الذاكرة لم تعد تعيش بيننا بطبيعتها كما كانت. فالماضي الذي نحنّ إليه ليس نسخة طبق الأصل مما جرى، بل ماضٍ تعيد الجماعة تشكيله على قدر حاجتها اليوم.
متى نلتفت إلى الوراء؟
نلتفت في لحظات معروفة:
- حين تنقطع الحياة. رأى عالم الاجتماع فريد ديفيس أن الحنين يزورنا حين تهتزّ صورتنا عن أنفسنا، بعد هجرة أو تحوّل كبير أو رحيل جيل. يصير الماضي جسرًا بين "من كنّا" و"من أصبحنا".
- حين نخاف على الغد. في بحث شمل عشرات الدول، وجدت أنوك سميكس وفريقها أن الناس الذين يقلقون على مستقبل جماعتهم يحنّون أكثر إلى أيامها الجميلة، وكأن الماضي يطمئنهم أن هذه الجماعة صمدت من قبل.
- حين نشعر بالوحدة. أظهرت تجارب تيم ويلدشوت وزملائه أن الحنين يطلّ علينا في ساعات الوحدة والمزاج الثقيل، ثم يترك فينا إحساسًا بأننا محاطون بمن يحبوننا.
الحنين غراءٌ بين الناس
حين نحنّ إلى شيء عشناه مع جماعتنا، يتغير شيء في نظرتنا إليها. أظهر ويلدشوت وزملاؤه أن مَن يستحضر ذكرى مشتركة مع جماعته يراها أفضل، ويشعر بالتصاق أكبر بها، ويصبح أكثر استعدادًا لخدمتها. هذا الأثر خاص بالحنين الجماعي، ولا يكفي لتفسيره مجرد الشعور بالسرور. الحنين يخيط الناس بخيط الحكايات المشتركة.
وليس كل قديمٍ قديمًا
كثير مما نظنه عريقًا وُلد قبل زمن قصير. بيّن المؤرخان إريك هوبزباوم وتيرينس رينجر أن تقاليد تبدو ضاربة في القِدم، كبعض رموز "الثقافة القومية" وطقوس الاحتفالات الملكية في بريطانيا، صُنعت حديثًا وأُلبست ثوب العراقة. وهذا لا يعني أن حنيننا كذب، فالجماعات تبني حول ماضيها رموزًا وطقوسًا لأنها تحتاج إلى التماسك. لكن من الجميل أن نعرف متى نتأمل ماضينا ومتى ننسج له أسطورة.
بيتان للحنين
ميّزت الباحثة سفيتلانا بويم بين نوعين من الحنين:
- الحنين الاستعادي، وهو الذي يريد أن يبني البيت القديم من جديد كما كان، وغالبًا بأسواره.
- الحنين التأملي، وهو الذي يكتفي بالجلوس عند عتبة الذكرى، يتأمل نقصها وغموضها وآثار الزمن عليها، دون أن يحاول إلغاء الزمن.
وللحنين وجه حذِر ينبغي ألا نتجاهله. فقد وجدت دراسة أن الحنين القومي حين يقترن باعتقاد أن المكان لأهله الأصليين وحدهم، ارتبط بمعارضة حقوق المهاجرين في التعبير. الحنين وحده لا يقود إلى الإقصاء، لكنه قد يتغذى على أفكار تفعل ذلك.
كيف نصادق حنيننا؟
هذه اقتراحات للتأمل لا وصفات:
- اسأل: ذاكرة مَن هذه؟ فما نتذكره قد يختلف عمّا يتذكره غيرنا.
- اختر التأمل على الاستعادة. أن تستحضر الماضي لتفهمه غير أن تحاول إعادة بنائه.
- اسمع الروايات الأخرى. الماضي المشترك أغنى من حكاية واحدة.
- اربط الحنين بما تريد أن تبنيه. الماضي أقوى حين يغذي مشروعًا للغد ولا يحلّ محله.
- انتبه لثقل الشوق. إن صار حزنًا مستمرًا يعطل حياتك اليومية، فالحديث مع مختص نفسي خطوة مشروعة.
خاتمة
الحنين ليس هروبًا بالضرورة، وليس فضيلة بالضرورة. هو لغة تتحدثها الجماعات حين تبحث عن جذورها أو تخشى على غدها. والخطر ليس فيه، بل فيما نبنيه عليه: ماضٍ نتأمله ونتعلم منه، أو ماضٍ نحوّله إلى أسوار. وربما أصدق سؤال نطرحه حين يغلبنا الشوق: هل نحنّ إلى الماضي كما كان فعلًا، أم إلى ما نخشى أن نفقده غدًا؟
المصادر
- Boym, S. (2001). The Future of Nostalgia. Basic Books.
- Davis, F. (1979). Yearning for Yesterday: A Sociology of Nostalgia. Free Press.
- Halbwachs, M. (1992). On Collective Memory (L. A. Coser, Ed. & Trans.). University of Chicago Press.
- Hepper, E. G., et al. (2014). Pancultural nostalgia: Prototypical conceptions across cultures. Emotion, 14(4), 733–747.
- Hobsbawm, E., & Ranger, T. (Eds.). (1983). The Invention of Tradition. Cambridge University Press.
- Hofer, J. (1688). Dissertatio medica de nostalgia oder Heimwehe. Basel.
- Nora, P. (1989). Between memory and history: Les lieux de mémoire. Representations, 26, 7–24.
- Smeekes, A., et al. (2018). Regaining in-group continuity in times of anxiety about the group's future. Social Psychology, 49(6), 311–329.
- Smeekes, A., Verkuyten, M., & Martinovic, B. (2015). Longing for the country's good old days. British Journal of Social Psychology, 54(3), 561–580.
- Wildschut, T., et al. (2014). Collective nostalgia: A group-level emotion that confers unique benefits on the group. Journal of Personality and Social Psychology, 107(5), 844–863.
- Wildschut, T., et al. (2006). Nostalgia: Content, triggers, functions. Journal of Personality and Social Psychology, 91(5), 975–993.
